الشيخ حسن أيوب

129

الحديث في علوم القرآن والحديث

أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [ سورة النساء آية : 15 ] منسوخة بقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « خذوا عني ، خذوا عني . قد جعل اللّه لهن سبيلا : البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم » . وقد ناقشه النافون . أولا : بأن الناسخ هنا هو آية الجلد ، وآية الشيخ والشيخة ، وإن جاء الحديث موافقا لهما . ثانيا : بأن ذلك تخصيص لا نسخ ؛ لأن الحكم الأول جعل اللّه له غاية هو الموت ، أو صدور تشريع جديد في شأن الزانيات ، وقد حققنا أن رفع الحكم ببلوغ غايته المضروبة في دليله الأول ليس نسخا . الدليل الرابع : أن نهيه صلّى اللّه عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطيور ناسخ لقوله سبحانه : قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [ سورة الأنعام آية : 145 ] . وقد ناقشه النافون : بأن الآية الكريمة لم تتعرض لإباحة ما عدا الذي ذكر فيها إنما هو مباح بالبراءة الأصلية ، والحديث المذكور ما رفع إلا هذه البراءة الأصلية ، ورفعها لا يسمّى نسخا كما سلف بيانه . من هذا العرض يخلص لنا أن نسخ القرآن بالسنة لا مانع يمنعه عقلا ولا شرعا ، غاية الأمر أنه لم يقع ؛ لعدم سلامة أدلة الوقوع كما رأيت . القسم الثالث : نسخ السنة بالقرآن : وفيه خلاف العلماء - أيضا - بين تجويز ومنع على نمط ما مرّ في القسم الثاني : بيد أن صوت المانعين هنا خافت ، وحجتهم داحضة . أما المثبتون فيؤيدهم دليل الجواز كما يسعفهم برهان الوقوع ، ولهذا نجد في صف الإثبات جماهير الفقهاء والمتكلمين ، ولا نرى في صف النفي سوى الشافعي في أحد قوليه ومعه قلة من أصحابه ، ومع ذلك فنقل هذا عن الشافعي فيه شيء من الاضطراب أو إرادة خلاف الظاهر . دليل الجواز : استدل المثبتون على الجواز هنا بمثل ما استدلوا به على القسم السالف ، فقالوا : إن نسخ السنة بالقرآن ليس مستحيلا لذاته ولا لغيره . أما الأول فظاهر ، وأما الثاني : فلأن السنة وحي كما أن القرآن وحي ، ولا مانع من نسخ وحي بوحي لمكان التكافؤ بينهما من هذه الناحية . واستدلوا على الوقوع بوقائع كثيرة ، كل واقعة منها دليل على الجواز كما هي دليل على الوقوع ، لما علمت من أن الوقوع يدل على الجواز وزيادة .